القرطبي
213
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فإن فقأ فعليه الضمان ، والخبر منسوخ ، وكان قبل نزول قوله تعالى : " وإن عاقبتم فعاقبوا ( 1 ) " [ النحل : 126 ] ويحتمل أن يكون خرج على وجه الوعيد لا على وجه الحتم ، والخبر إذا كان مخالفا لكتاب الله تعالى لا يجوز العمل به . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بالكلام في الظاهر وهو يريد شيئا آخر ، كما جاء في الخبر أن عباس بن مرداس لما مدحه قال لبلال : ( قم فاقطع لسانه ) وإنما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئا ، ولم يرد به القطع في الحقيقة . وكذلك هذا يحتمل أن يكون ذكر فق ء العين والمراد أن يعمل به عمل حتى لا ينظر بعد ذلك في بيت غيره . وقال بعضهم : لا ضمان عليه ولا قصاص ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ، لحديث أنس ، على ما يأتي . الثانية - سبب نزول هذه الآية ما رواه الطبري وغيره عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت : يا رسول الله ، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد ، لا والد ولا ولد فيأتي الأب فيدخل على وإنه لا يزال يدخل على رجل من أهلي وأنا على تلك الحال ، فكيف أصنع ؟ فنزلت الآية . فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ، أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن ، فأنزل الله تعالى : " ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة " [ النور : 29 ] . الثالثة - مد الله سبحانه وتعالى التحريم في دخول بيت ليس هو بيتك إلى غاية هي الاستئناس ، وهو الاستئذان . قال ابن وهب قال مالك : الاستئناس فيما نرى والله أعلم الاستئذان ، وكذا في قراءة أبى وابن عباس وسعيد بن جبير : " حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها " . وقيل : إن معنى : " تستأنسوا " تستعلموا ، أي تستعلموا من في البيت . قال مجاهد : بالتنحنح أو بأي وجه أمكن ، ويتأنى قدر ما يعلم أنه قد شعر به ، ويدخل إثر ذلك . وفال معناه الطبري ، ومنه قوله تعالى : " فإن آنستم منهم رشدا ( 1 ) " [ النساء : 6 ] أي علمتم . وقال الشاعر : آنست نبأة وأفزعها القناص * عصرا وقد دنا الامساء
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 200 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 5 ص 26 .